Sunday, 30 August 2015

وهي، من أين؟

  
وهي، من أين؟


كانت متحمسة جدا، قد جاء يوم البزار. 
طاولتها ملئت بلوحاتها... والنَّاس من حولها مشغولين بمليء طاولاتهم بما حملوا من فنون، فولكلور، أفكار، عطور، أدب وخطوط، مأكولات قد عشقوا، و ذكريات ما كانوا ينادون ب"بلدي".
وفي الضجة، تقدمت من طاولتها امرأة عجوز وسألتها عن لوحاتها، وهكذا دار الحوار:
- هل رسمت تلك اللوحات؟
- نعم يا سيدتي
- احس بدفيء ينبعث منها
- أشكرك كثيرا، في الرسوم شيء من حضارة بلدي الذي جئت منه
- هل عشت في بغداد؟
- أنا من بغداد
- أنا عشت في بغداد لعدة سنوات في الستينيات واحببت المدينة وناسها، ذاكرتي عنها مليئة باشياء جميلة.  اخبريني عن لوحاتك...
- أوه، لوحات السيدات الأربع، اربع بائعات متجهات لسوق بغداد، يحملن القيمر والخبز والحليب والتمر، يغنون أغانينا التراثية القديمة التي كلماتها عكست في كل مبنى. وكل بناية تغني أغنية. 
- غني لي هذه الأغاني
- هنا البيت يضحك مستعد لفرح، خطار عدنا الفرح نعلگ صواني شموع، وهنا السوق يشهد نظرات حب... مالي شغل بالسوگ مريت اشوفك، والنخلات غنت فوگ النخل فوگ يابة فوگ النخل فوگ
- أوه، تذكرت هذه الألحان. اخبريني عن اللوحة السوداء
- اللوحة تظهر بعض البنايات المعروفة في بغداد.  اللوحة تعبر عن الحرية، حرية الفن والحضارة وبسمات الناس ودموعهم لفقدان ابن....
ولم تستطع إكمال كلماتها، وهي ترى دموعها تتراكم وتترورق في عينيها، وغصة الفراق خنقتها وعبرات الشياق اسكتتها.  ابتسمت والدموع في عينيها، واعتذرت...
- سامحيني يا سيدتي، تركت مدينتي منذ سنوات طوال، وهذه ذكرياتي الجميلة عنها، ذكريات طفولتي، وجمال ذكريات أمي وابي، وبطولات جدي واصحابه، وقوة وصبر جدتي، ومعاناة أعمامي وأخوالي وعماتي وخالاتي.  هذه ذكريات اخوتي وأولاد أعمامي وأخوالي، وألعاب طفولتي في شوارعها وأصحابي... ترجياتنا للالٰه التي همسناها لنحيا، وفرارنا من قنبلة لنعيش اليوم... هذه تضحياتنا، واعتقالاتنا، وكل شيء انت قد تقرأين في رواية، ولكنا عشناه...  كل دمعة حملت كل هذا وما خفى... فاعذريني.

انتهى اليوم وعادت لبيتها بشوق لتخبر صديقتها البعيدة القريبة

- صديقتي، هل من حقي ان اشعر بشموخ العراقيين وهم ينادون للحرية؟ لقد هربت وتركت البلد، فهل لي الحق ان اشعر بحزنهم، او فرحهم؟
- وكيف لا، وقد تعمدت بمياه دجلة، اكلت التمر من أيدي عشتار، وشممت عطر الرازقي.
  كيف لا، وقد نطقت كلمات المتنبي، وناقشت أساطير گلگامش.  ونمت على كتف بابل، وبهرت بقبر الحسين، وأحببت علي وطفت حول الگيلاني. كيف لا، وقد شربت شاي تحت شمس تموز وأكلت خلال اپ، وقرأت في مكتبة الموصل، وحاكيت حارس بوابة نمرود.  كيف لا، وقد ركضت بغابات سرسنگ وبردت قدميك في شلال البيگ.
انت انرت شمعة في كنيسة الكرادة، ولامست يداك ابو نواس. 
وقفت وحييت جندي سقط، وبكيت لدموع والده، وشاركت سماء الليل مع الجيران في نومة السطوح وضحكت بانتظار القطار...
قد تكونين بعيدة، ولكن قلبك هنا...


أنهت الحديث، وعرفت من اين، هي.


No comments:

Post a Comment

Note: only a member of this blog may post a comment.